أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
مقدمة 6
العمدة في صناعة الشعر ونقده
ثم أعود إليه بشوق المحب الذي قضى فترة بعيدا عن محبوبه ، فيقبل عليه بكلّيته ، فيتحول الإنسان في مثل هذه الحالة إلى كيان يقطر بالحب والشوق . وكنت كلما قطعت شوطا في تحقيق الكتاب تمنيت أن يوفقني اللّه ، وأن يطيل في عمرى حتى أنجزه ، وكنت أخاف خوفا شديدا من أن أموت قبل أن يظهر الكتاب إلى الوجود بالصورة التي رسمتها ، وصممت على تنفيذها ، ومشكلتى مع كل كتاب هي إنني - حتى الآن - لا أستطيع أن أحصر نفسي في عمل واحد أبدا ، فإن كل من يعرفوننى يرون أنني أعمل دائما في ثلاثة كتب في وقت واحد ، فإذا ضقت من عملي في كتاب انصرفت إلى العمل في الآخر ، كي تتجدد النفس وتقبل على العمل بتجدد الموضوع . وقد صرحت بذلك في يوم الأحد 23 من جمادى الآخرة 1404 ه الموافق 25 من مارس 1984 م وكنت في زيارة لأستاذى العلامة محمود شاكر رحمة اللّه عليه ، وكان عنده الأستاذ عامر العقاد رحمه اللّه وكان هذا أول لقاء لي به وآخر لقاء ، وكنت قد ذهبت إلى أستاذي لأريه نماذج من عملي في الكتاب ، وقلت له : إنني أخاف أن أموت قبل أن ينتهى الكتاب بهذه الطريقة ، فإذا به يرد علىّ : بل إنني أخاف أن أموت قبل أن أرى هذا العمل كاملا بهذه الطريقة ، فدعوت له بطول العمر ، وفي هذا اليوم أهداني كتاب دلائل الإعجاز وكتب عليه إهداء لي بخطه الجميل المميز : إلى أخي الدكتور النبوي عبد الواحد شعلان هدية مودة وتقدير ، ثم كتب التاريخ الذي ذكرته سابقا وهنا قال الأستاذ عامر : إن حب الأستاذ لك جعلني أحبك ، فخذ عنواني ورقم هاتفى ، وكتبه لي بخطه في ورقة ما تزال موضوعة في كتاب دلائل الإعجاز ، والإهداء الذي كتبته في أول الكتاب كان وليد هذا اليوم وذلك اللقاء . وتمر الأيام بطيئة ، ويوفقني اللّه في درجاتى العلمية بالجامعة ، وأواصل العمل في الكتاب ، ولكن العائق الذي كان يقف أمامى هو عدم وجود بعض دواوين الشعراء الذين استشهد ابن رشيق بأشعارهم ، فكنت أبحث عن البيت أو الأبيات في مظانها حتى أستوفيها أو أقارب ، ثم شاءت إرادة اللّه أن أسافر إلى الرياض في عام 1990 م للعمل في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ولما انتقلت الكلية إلى مبنى الجامعة الجديد بعد عام من سفري وجدت أن المكتبة المركزية قريبة من الكلية ، فكنت أقضى فراغ وقتي فيها ، وهذه المكتبة عامرة بأنواع الكتب وأنواع المكتبات التي